هجرة العرب المسيحيين من الوطن العربي

هجرة العرب المسيحيين من الوطن العربي  – اسباب ونتائج –

منير درويش

الناشر : دار حوران

تقديم

عند اللحظة التي كنت انوي فيها كتابة مقدمة دراستي عن هجرة العرب المسيحيين ، حدثت جريمة الاعتداء على كنيسة النجاة ببغداد يوم الأحد  31 /10 /2010 والتى ذهب ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى 0أضيفوا إلى مئات الآلاف من العراقيين إخوانهم بالوطن الذين كانوا ضحايا الاحتلال الأمريكي ، وعبث المجرمين ، الذين فجروا بالطريقة و المستوى ،عدداً من الجوامع والحسينيات والمقامات الدينية . ثم تلتها جرائم أخرى كانت آخرها جريمة كنيسة القديسين في الإسكندرية في الساعات الأولى من عام  2011 .

لقد أوقعتنا هذه الجرائم في حيرة ، هل نتوقف عن معالجة هذا الموضوع الذي بدأنا به منذ عام 2004 ، بعد أن فقدت الكلمات معناها في ساحة المجزرة والجريمة والدم المسفوك على المقاعد ، وجدران الهيكل والصلبان . لم يكن يخطر ببال الذين يقفون خاشعين في كنائسهم يؤدون عبادتهم أن أيدي بشرية يمكن أن ترتكب مثل هذه الجرائم ، رغم أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة طالما بقي الاحتلال وعملاؤه فى يعبثون بالعراق وأهله حيث تطال جرائمهم دور العبادة لكل الفئات والطوائف ، وتنتقل إلى المنازل والحدائق والأحياء ، والمؤسسات ، وكل ما يخطر ببالهم ، وطالما بقيت إسرائيل والصهيونية تحتل فلسطين ، وطالما غابت الدولة المدنية ، وحقوق المواطنة والمساواة بين أبناء الأمة . وحلت محلها المصلحة الضيقة التي تغذيها النعرات المذهبية ، بعد أن فقدت يد الإجرام علاقتها بالوطن والشعب ، لكن الآثار العامة للجرائم لم تكن فقط بعدد الشهداء والمصابين ، بل بالنتائج الكارثية التي خلفتها عندما استغلتها بعض الأقلام ، من جديد على هجرة العرب المسيحيين ليس من العراق أو من مصر بل من جميع الدول العربية التي يتواجدون فيها ، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن المخطط الذي ارتسم منذ مدة طويلة بدأ يأخذ مفعوله .

ومع ذلك ونحن ندين تلك الجرائم ، ونجعل منها ذكرى تاريخية أليمة ، ستبقى ماثلة في أذهاننا دوماً ، نعزي أنفسنا وأسر الضحايا ، وندرك أن الخطر لا يحيق بفئة بعينها بل بجميع أبناء الأمة . وعلى ذلك كان لا بد من متابعة ما بدأناه من مواجهة هجرة العرب المسيحيين . بمتابعة إلقاء الضوء عليها ومتابعتها .

يمر الوطن العربي في الوقت الراهن بمرحلة ، هي من أخطر المراحل التي واجهته في تاريخه الحديث ، وأخطر ما في هذه المرحلة هي هجرة أبنائه منه ، هذه الهجرة التي تشمل جميع المواطنين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم وجنسياتهم . لكن الظاهرة الأكثر خطورة في هذه الهجرة هي أنها تشمل أيضاً العرب المسيحيين على قلة عددهم . وهم أحد جناحي الحضارة العربية الإسلامية . ومكون من مكوناتها الأساسية .

وإذا كان عدد المسيحيين في الوطن العربي بدأ يتناقص بصورة واضحة فقد أخذت هجرتهم تبدو جلية أكثر حتى لو كانت جزءاً من الهجرة العامة ، ولا أحد يستطيع أن يحدد سبباً محدداً أو جملة أسباب لهجرة المسيحيين أو غيرهم . خاصة في الدول العربية التي يعيشون فيها إلى جانب إخوانهم المسلمين في فسحة من التساوي والمواطنة ، حتى لو تعرضت هذه الفسحة لبعض الاختراقات والأحداث الموسفة حيناً والظالمة حيناً آخر .

وإذا كان البعض يحاول أن يلقي تبعية هذه الأحداث على السياسات الاستعمارية والتدخلات الغربية ، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل أيضاً عوامل التأخر الاجتماعي والوعي الذي يبرر ارتكاب مثل هذه الأحداث ، ويشجع السياسات الاستعمارية عليها ، لكن المنطق السياسي يفترض ان نجاح هذه الأحداث حتى لو كانت بفعل هذه السياسات ، لا يمكن أن تنجح لولا وجود الوعي الذي يمنح هذه السياسات الفرصة كي تنجح .

بدأ اهتمامنا بهجرة المسيحيين من الوطن العربي في مرحلة تعود إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي عندما حزمت بعض العائلات التي تمت لنا بالقربى أمتعتها استعداداً للسفر ، بعضها إلى كندا والبعض لأمريكا والثالثة للسويد ، للالتحاق بعائلاتهم التي هاجرت على دفعات وحصلت عل جنسية تلك الدول وأصبح متاحاً لها المساعدة لهجرة بقية العائلة بحجة جمع الشمل . وقد ضمت هذه الدفعة أكثر من خمسة عائلات ، الكبار منهم متعلمون وذوي كفاءات وخبرة عالية ، بينهم الأطباء والمهندسين والمحامين ، ومنهم من كان يشغل وظائف رفيعة ، أو يمتلك أراضي ومزارع ومداجن …الخ ، مما جعلنا نتساءل ، لماذا يهاجرون ؟ دون أن يكون هناك جواب شاف واستمرت الهجرة على هذا المنوال حتى الوقت الحالي ، وهي تأكل أبناء الوطن وتشتتهم ، بينما الحسرة تجتاحنا ، خاصة وأن بعضهم توفي في بلد الهجرة بعد فترة قصيرة دون أن تتاح لهم فرصة العودة للوطن حتى وهم جثامين ميتة . بعدها أخذت قضية الهجرة تدخل في مجال المشاعر إذ لم يكن من السهل فقدان هؤلاء الأقارب والأصدقاء وهم يغادرون دون أن تتوفر فرصة توديعهم عند سفرهم أو التعزية بهم بعد موتهم .

في أواخر عام 2004 أتيحت لي فرصة تقديم ورقة عن هجرة المسيحيين من الدول العربية والدول الإسلامية الأخرى وبيان أسبابها ونتائجها ، في ندوة نظمها المركز العربي للدراسات الإستراتيجية بدمشق ، حول الإصلاحات في الدولة العثمانية ، وضمت عدداً من المثقفين ورجال الدين من سورية إلا أن الورقة اعتبرت خارجة عن موضوع الندوة رغم أن قضية المسيحيين كانت جزءاً من موضوع الإصلاحات العثمانية آنذاك ، لكن الورقة كانت عاملاً في تبني مجموعة من المهتمين فكرة التصدي للهجرة ، ووضع خطة متواضعة لمواجهتها ، وبهذه الطريقة أصبح بالإمكان إثارة الموضوع على أكثر من صعيد في محاولة قد تبدو يائسة للحد منها ، وقد نظمت من أجل ذلك عدة ندوات ولقاءات وكتبت عدة مقالات ، وهكذا حاز موضوع هجرة المسيحيين على اهتمام أعداد أكبر ساهموا في تناول هذا الموضوع وإثارته أيضاً .

إن الجميع متفقون على أن هجرة العرب المسيحيين تشكل خسارة للوطن العربي لأنهم جزء من ثقافته وعنوان للتعددية الثقافية والاجتماعية ، لكن الخلاف يجري على العوامل والأسباب التي تقف وراء هذه الهجرة ، بعضهم يراها ضمن مخطط استعماري غربي يعمل على تفريغ المنطقة من مكوناتها الثقافية كي يبدو وكأن الصراع ينحصر بين الغرب المسيحي والشرق المسلم ، بينما يرى البعض الآخر أن عوامل هجرة المسيحيين لا تختلف عن عوامل الهجرة التي تشمل المسلمين ، الذين يهاجرون بنسبة ، أعداد أكبر بكثير من المسيحيين .

وعلى كل حال فإن مواجهة هذه الهجرة لا يمكن أن تتم إلا إذا ساهمت فيها الفعاليات الرسمية والشعبية ، وخاصة المؤسسات الدينية ورجال الدين الذين يمكن أن يلعبوا دوراً مهماً فيها .

إن المطلوب الآن . وعي هذه الظاهرة وبيان أسبابها الحقيقية ومعالجة هذه الأسباب ، بدل التحسر عليها حتى لا نستفيق بعد عقد أو عقدين لنجد أننا فقدنا هذا العنصر من حضارتنا .

إن المواضيع المثارة في هذا الكتاب هي عبارة عن عدد من المحاضرات ألقيت في أوقات مختلفة سبقت التفجيرات الأخيرة التي طالت الكنائس في العراق ومصر كما سبقت كثير من الأحداث الأخرى في هذا المجال ، لذلك لم نتطرق إليها ،ومع ذلك فقد أثارت هذه المواضيع في حينها ردود أفعال متنوعة ، أضفنا إليها الرسائل التي وجهناها لكل من السيدة مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة ، نظراً لتداخل مواضيع الهجرة بسياسات المنطقة ومحاولة التدخل بشؤونها . فضلاً عن بعض المواضيع التي قد يكون لها صلة من بعيد .

إن مساهمتنا محدودة لكنها يمكن أن تؤسس لمساهمات أكثر فاعلية .

وبهذه المناسبة لا يسعنا إلا أن نشكر أعضاء لجنة المبادرة الشعبية لوقف هجرة المسيحيين الذين شاركوا في عمل المجموعة التي نذرت نفسها للتصدي لهذه الهجرة ، وهي تدرك أنها محرجة من جهة ومقلقة من جهة أخرى .كما نشكر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين وأمين سره الأستاذ حمزة البرقاوي ، الذي أتاح لنا فرصاً كثيرة للتحدث في هذا الموضوع ، وكذلك الأستاذ عبد القادر النيال . والشكر الكبير لقداسة البطريرك غريغوريوس لحام بطريرك كنيسة الروم الكاثوليك الملكيين ، والأب الياس زحلاوي ، الذين أتاحوا لنا فرصة مقابلتهم وإثارة هذا الموضوع معهم ، والوسائل الكفيلة بمعالجتها ، وتشجيعهم للمبادرة ، والشكر لنشرة كلنا شركاء في الوطن التي نشرت كل هذه المواضيع ، كما نشكر الفنان فادي درويش على تصميمه للغلاف . ولكل الذين ساهموا معنا في معالجتها . آملين أن تكلل جهودنا بالنجاح .

دمشق فى 1/ 1/ 2010

منير درويش

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: